محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )

119

بدائع السلك في طبائع الملك

لآنفة نفوسهم المتوحشة ، أبعد الأمم انقيادا فيما بينهم ، وقلما تجتمع أهواؤهم ، فإذا وجدوا الدين بنبوة أو ولاية ، سهل انقيادهم ، وأمكن اجتماعهم لذهاب ما يصد عن ذلك ، فيحصل لهم الملك والتغلب ، ولا بعد في ذلك إذ هم أسرع الناس قبولا للحق والهدى لسلامة طبائعهم من ذميم الاخلاق ، كما تقدم ، الا ما كان من خلق التوحش الغريب المعاناة ، ببقائه على الفطرة الأولى ، وبعدها عن كل ما يتطبع في النفس من قبيح العوائد وسوء الملكات ، كل مولود يولد على الفطرة « 78 » المسألة التاسعة : أن الدعوة الدينية لا تتم الا بالعصبية « 79 » لما سبقت الإشارة اليه أن كل أمر يحمل الناس عليه لا يتم الا بالقتال الموقوف على العصبية ، وفي الصحيح : ما بعث الله نبيا الا في منعة من قومه ، وإذا كان هذا في الأنبياء ، فما الظن بغيرهم ، ومع وضوحه ، فقد وقع الغلط بالذهول عنه « 80 » لصنفين من الناس : الصنف الأول : طلاب « 81 » الملك بمجرد الدين ، كما اتفق لابن قسي « 82 » صاحب « خلع النعلين » في التصوف ، ثار بغرب

--> ( 78 ) « مقدمة » ج 2 ص 626 . ( 79 ) س . و . ه : كما . ( 80 ) ه : فيه . ( 81 ) ه : طلب الملك . ( 82 ) ابن قسى : أحمد بن الحسين ، أبو القاسم بن قسى الأندلسي الصوفي الشهير ( توفي سنة 546 ) رومي الأصل ، استعرب وتأدب ، وقال الشعر ثم عكف على الوعظ وكثر مريدوه ، فادعى أنه المهدي وتسمى ب ( الامام ) فطلب فاختبأ ، وقبض على طائفة من أصحابه ، فسيقوا إلى أشبيلية ، وتمكن مع من بقي من أنصاره من مهاجمة قلعة في غرب الأندلس ، لكن أمره ضعف بينهم فخلعوه . ثم هاجر إلى « الموحدين » سنة 540 متبرئا مما كان يدعيه ، فوثقوا به ، وولوه « شلب » بلدته ، لكنه عاد إلى سيرته الأولى فقتله أهل « شلب » . اشتهر ابن قسى بكتابه المشهور « خلع النعلين في الوصول إلى حضرة الجمعين » . أنظر الحلة السيراء ص 1299 - 222 . « الاعلام » ج 1 ص 113 - 114 . وقد ترك لنا -